أحمد مصطفى المراغي
140
تفسير المراغي
روى عن زيد بن أسلم من مفسري السلف : أعطتهن أترنجا ( ثمر من نوع الليمون الحامض كبير مستطيل يؤكل بعد إزالة قشرته ) وعسلا فكن يحززن بالسكين ويأكلنه بالعسل ، فلما قيل له : اخرج عليهن خرج ، فلما رأينه أعظمنه وتهيمن به حتى جعلن يحززن أيديهن بالسكين وفيها الترنج ولا يعقلن ولا يحسبن إلا أنهن يحززن الأترنج ، قد ذهبت عقولهن مما رأين وقلن حاش للّه ما هذا بشرا ، أي ما هكذا يكون البشر ، ما هذا إلا ملك كريم . ( قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ) أي حينئذ قالت لهن : إذا كان الأمر ما رأيتنّ بأعينكن ، وما أكبرتن في أنفسكن ، وما فعلتن بأيديكن ، وما قلتن بألسنتكن ، فذلكن هو الذي لمتنّنى فيه ، وأسرفتن في لومى وتعنيفى ، وقلتن فيما قلتن ، فما يوسف بالعبد العبراني ، أو المملوك الكنعانى ، ولا بالخادم الصعلوك الذي شغف مولاته حبا وغراما ، وراودته عن نفسه ضلالا منها وهياما ، بل هو ملك تجلّى في صورة إنسان ، فما ذا أنتن قائلات في أمرى ، وهو المالك لسمعى وبصرى ، وإني لأراه بشرا سويا ، إنسيا لا جنيا ، وجسدا لا ملكا روحانيا ، فأتصبّاه بكل ما أملك من كلام عذب ، فلا يصبو إلىّ ، ولا يظهر نحوى عطفا ، ولا يرفع إلىّ طرفا . ( وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ) أي ولقد راودته عن نفسه فامتنع عما أرادته منه ، واستمسك بعروة العصمة التي ورثها عمن نشئوا عليها ، ولا عجب فإنّ نظره إلى اللّه لم يدع في قلبه البشرى مكانا خاليا لنظرات هذه العاشقة التي شغفها حبا . ( وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ ) أي ولئن لم يفعل ما آمره به مستقبلا كما لم يفعله ماضيا : ليسجنن وليكونن من الأذلة المقهورين ، فإن زوجي لا يخالف لي رغبة ، ولا يعصيني في أمر ؛ وسيعاقبه بما أريد ، ويلقيه في غيابات السجون ، ويجعله كغيره من العبيد بعد إكرام مثواه وجعله كولده . وفي ذلك إيماء إلى أنها ستشدد العقوبة عليه أكثر مما توعدت به أوّلا ، فهناك أنذرته بسجن قد يكون على أخف صورة وأقلها ، وعذاب بأهون أنواعه وألطفها كحبس